ملتقى نجوم الضّاد
أهلاً بني عمنا أهلاً بني الضاد
أهلاً وسهلاً بكم يا نسل أجدادي
خبرتكم بلسماً يشفي الجروح كما
خبرتكم في الوغى سماً على العادي
لبوا ندائي فإني جئت أدعوكم
لتدخلوا صفحتي تستطعموا زادي
فمن إدام أحاديث الكرام إلى
زلال شعر به يروي ظمأ الصـــادي

عزيزي الزائر إن كنت غير مسجّل في المنتدى وأردت الاستفادة القصوى منه فسجّل فيه بالضغط على زر" التسجيل".وإن كنت عضوا في المنتدى فعرّف بنفسك بالضغط على زر " الدخول"

ملتقى نجوم الضّاد

ملتقى برج بوعريريج التربوي يجمع نجوم المدرسة الجزائرية من أساتذة وطلبة للإفادة والاستفادة
 
الرئيسيةدخولزموريات:اللغة ابحـثالتسجيل
."" إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو - أرادت... بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد.. في لغتها، وفي أخلاقها، وفي دينها.. " من أقوال عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى
" أيها الشعب الجزائري الكريم، ها أنا أمدّ يدي من قلب يحبك.. فهل تمد لي يدك ؟ لنزيل نقصنا بالكمال، وننير جهدنا بالعلم، ونمحو تخريفنا بالتفكير؟.. يدي في يدك أحببنا أم كرهنا لأن قلبي قلبك، وعقلي عقلك، وروحي روحك، ولساني لسانك، وماضي ماضيك، وحاضري حاضرك.. ومستقبلي مستقبلك.. وآلامي آلامك.. وآمالي آمالك...
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة

algerie poste

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
zemmouri - 4925
 
لغلام صلاح - 1067
 
alaeddine - 872
 
خولة - 610
 
asma - 540
 
nahla - 362
 
samarsinane - 345
 
رفيقة النبي في الفردوس - 342
 
زموري وأفتخر - 332
 
cheikh hachemi - 328
 
زوار اليوم
حالة الطقس في ب ب ع

شاطر | 
 

 لاعتداد بالنفس فی شعر المتنبی

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
لغلام صلاح
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1067
نقاط المشاركات : 2775
تاريخ التسجيل : 20/03/2010

مُساهمةموضوع: لاعتداد بالنفس فی شعر المتنبی   السبت يناير 05, 2013 11:10 pm

لاعتداد بالنفس فی شعر المتنبی
المقدمة

لا شكّ أنّ العلوم والآداب تنمو و تزدهر في ظلّ الأمن والرخا وفي رعاية الدوَل الرشيدة التي ترفع شأن العلماء والأدباء وتحرضهم علي الجد والاستقصاء ، وتوفر لهم من أسباب العيش و الكرامة ما يمكنهم من العكوف علي الدرس و التأليف . فعظمة الأمة السياسيـة واستقرار الأمور و رغد العيش فيها تستتبع اهتمام الناس بالعلوم و كلفُهم بها. ولكن نمو العلوم والآداب وازدهارها ثمّ ذبولها وجفافها يتقلب في أطوار مديدة بطيئة لاتساير الأطوار السياسية. فإذا نمت العلوم في أمة قوية لا تؤتي ثمارها الّا بعد زمن مديد. وربما يوافق ازدهارها زمن الضعف السياسي في الدولة التي نمت في ظلالها. وكذلك أطوار ضعفها وزوالها تتمّ في عصور طويلة . فلا ينبغي أن تقاس حال العلوم والآداب بالآحوال السياسية ولايجوز أن تلتمس في التاريخ مسايرة رقي العلوم وتدلّيها للقوة السياسية والضعف وإن يكن لاضطراب السياسة أثر سيّئ في العلوم والآداب ولإستقرارها أثر حسن فيهما.

وكذلك في القرن الرابع الهجري ؛اضطربت السياسة وكثر المتغلبون واضطرمت بينهم نيران الحرب، وكثرت الثورات والغارات ولكنّه كان مع ذلك عصراً مخصباً بالعلوم والآداب. فمازال العلماء والأدباء منذ القرن الثاني الهجري يفكرون ويبحثون ويؤتون الناس ثمار عقولهم،و يخلّدونها في الكتب ميراثاً لمن بعدهم حتي كان القرن الرابع فإذا ثروة عظيمة زاد العلماء عليها واجتهدوا فينقدها وترتيبها. ثمّ كثرة الدوَل أدّت الي تنافس الملوك في المجد وحسن السمعة وبعد الصيت، فحرص كل ملك علي أن يجذب اليه العلماء والأدباء ويكثر حوله الشعراء ليذيع صيته ويخلد اسمه بما يؤلّف من الكتب له وما ينظم من الشعر في مدحه. كان القرن الرابع يموج بالشعراء ولكنهم كانوا أقلّ ابتكاراً وأصالة من الشعراء القرن الثالث. وإذا استثنينا أباالطيب لم نجد فيهم مَن يقاس بأبي نواس وأبي تمام والبحتري. واجمال الكلام أنّ القرن الرابع كان من أزهي العصور الاسلامية في كل ما تناولته الحضارة العربية الاسلامية من علم وأدب.

هذا هو عصر أبي الطيب المتنبي الذي يعرف عند الباحثين بعصر الدويلات أو الإمارات المستقلة، وهونتيجة انحلال الدولة العباسية الذي يرجع بدوره الي عوامل شتّي خارجية وداخلية: تتمثّل الأولي في تآكل اطراف هذه الدولة بفعل حملات المعارضين، وبينهم الترك والمغول ونشوء الدويلات في أنحاء شتّي بعضها قريب من مركز الخلافة وبعضها بعيد علي تخومها. لكل عصر من عصور الشعرأميرٌ فكما كان امرؤالقيس أمير شعراء الجاهلية وأحمد شوقي أمير شعراءالمعاصرين ، كان أبوالطيب المتنبي أمير عصره بل وينصبه الكثيرون أميراً علي الشعراء قاطبة في كل العصور، ولا يأخذ هنا بعين الاعتبار شعراء اللغات الاخري فالشعرعربي الهوية والمتنبي لم يكن قط شاعراً وحسب هو بصمة قوية وراسخة في عالم إبداع النظم العربي ككلّ وقلّما تجد كتابا ًللنصوص في أيّ منهج مدرسيّ عربي يخلو ولو شيء بسيط من شعره.وكان ابوالطيب من أشهر مَن تفاخروا بكلّ شيء في شعرهم، ولربّما لانمرّ علي بيت كان قمة في الفخر والفلسفة والإبداع كما نمرّ علي هذا البيت من المتنبي والذي يصف نفسه به: أنا الذي نظر الأعمي الي أدبي

وأسمعت كلماتي مَن به صممُ

فأبوالطيب لم يسلك مساراً واحداً في نظمه للشعر بل جمع في شعره الحكمة والفخر والغزل والهجاء الساخر والقسوة والصلابة واللين ولكلّ نوع حلاوته وطعمه الخاص من صنع أبي الطيب ،كما أنّ لغته ورغم عمق قِدمها الّا أنه قلما استخدم الفاظاً غير مفهومة حيث تميز أسلوبه بالسلاسة التي أحيت شعره وحتي زماننا الحالي.
حياة المتنبّي

:

[1] أبو الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبي من اصل عربي جعفي ينتهي الي كهلان من القحطانية. وُلد في الكوفة سنة (915م، 303هـ) مِن أسرة وضيعة في محلة تدعي «كندة» فنُسب اليها و كان أبوه سقّاء في الكوفة يستسقي علي جمله لاهل محلة كندة و يعرفه القوم بعبدان السقاء و المرجّح أنّ اُمّه ماتت و هو طفل فقامت له جدّته مقام الأم. ونشأ الفتي في الكوفة أحد مواطن الحضارة العباسية و أهمّ موطن للشيعة من قديم. اشتهر بقوة الذاكرة و شدةالنباهة و الذكاء والجدّ في النظر الي الحياة و المقدرة علي نظم الشعر. نشأ المتنبي في البادية و الشام و عاش بين القبائل فأخذ عنهم الفصاحة. وكان أبوه يسافر به وهو صغير الي الشام متنقلاً من البادية الي الحاضرة و أخذ اللغة عن قبيلة بني كلاب. إعتني به والده منذ صغره و كان من نشأته عالي الهمّة ،كبير النفس ،طموحاً الي المجد. ابو الطيب المتنبي عربي اصيل ،صحيح الانتساب الي عرب يمن. ورث عن اجداده النزعة العربية و الفروسية و تخلّق بهما و لذلك طبع شعره بطابع كل منهما.

« لقد اختلف في حقيقة والده فمنهم من قال: كان يُعرَف بعبدان السقاء نسبة ًالي عمله فقد كان يعيش من سقاية الماء للناس. ومنهم من قال: كان يُشبَه بِعيدان السّقاء لطول أطرافه و دقّتها. ولا نعلم من نسبه شيئاً آخر الّا أنه كان يفتخر فيما بعد بشرف قومه و شجاعتهم و بأسهم و بقوم جدته لأمه خاصّة. و كان أبوه الحسين دقيق الاطراف فيما يبدو. فقد جاء في القاموس: [2]

«و عيدان السّقاء(بكسر السين) لقب والد احمد بن الحسين المتنبي.» نشأ أبو الطيب في الكوفه و تلقّي فيها جانباً من العلوم ثُمّ غادرها مع أبيه في الاغلب سنة (325هـ ، 937م) أو قبيل ذلك في الأصحّ و يذكر بعضهم أنّ أبا الطيب و أباه غادرا الكوفه كما انكشفت لهما صلة بالقرامطة. مع أنّ حال القرامطة كانت في ذلك الحين شديدة الاضطراب فانّنا لا نستطيع أن نجزم بشيءٍ لم يذكره التاريخ و لا أشار اليه أبو الطيب نفسه من قريب و لا من بعيد. علي أن في ديوان المتنبي أن ابا الطيب تطوف مدة في الشام يتلقي شيئاً من العلم في بعلبك وطرابلس و اللاذقية و قد كانت هذه المدن في ذلك الحين مراكز للعلم و للتعليم. و يغلب علي ظنّنا أنّ ابا الطيب لم يكن فقيراً. ولكن أباه تُوفي وشيكاً في الشام ثمّ احتاج أبو الطيب الي المال ولم يستطع التكسّب بشعره في ذلك الطور الباكر من حياته فطمح الي شيءٍ من النفوذ لنيل ولاية وتحصيل عيشٍ رغدٍ فأنار في نواحي حمص فتنة بين الأعراب ودعاهم الي الامتناع عن رفع الضرائب. و ليس أحبّ الي البدو مِن مثل هذه الدعوة. فأخذه لؤلؤٌ والي حمص من قِبل الإخشيديين واتّهمه بالتنبؤ ثم سجنه مدة. فلزمه منذ ذلك الحين لقبُ المتنبي. وكان ابو الطيب يكره هذا اللقب (وقيل في أصل هذا اللقب قولان آخران) علي أنّ لاتهام أبي الطيب بالتنبّؤ سنداً ظاهراً هو أنّ ابا الطيب لما أراد استماله البدو في بادية حمص كان يزجر لهم المطر او يتنسّم لهم الاخبار ثمّ يُخبرهم بها قبل انتشارها.» [3]

وفي السجن نظم المتنبي قصيدة يمدح فيها الوالي و يعتذر اليه بأنّ ما فعله كان ذنباً دعا اليه طيش الصبا ثم بالغ فقال عن نفسه: «انّه صغير السّن لم يجب عليه السجود بعد فلا يجوز ان يعاقب بالحبس» و أراد الوالي التخلّص منه فأخرجه من السجن علي أن يبتعد عن منطقة حمص ما أمكن، فذهب المتنبي الي جنوب الشام (فلسطين) و جعل يتطوّف في البلاد و يمدح نفراً من الأمراء و الولاة و الأعيان. في هذا الدور الاول نظم المتنبي شعره الموسوم بشعر الصبا في أغراض مختلفة، و كان بعضه قصائد مطولة في المديح و الفخر و ذمّ الزمان و في الحكم التي يحمل عليها الشبابُ من التهوّر و المغالاة في الاعتزاز بالنفس و من الطموح. حيث يقول: [4]

فؤادٌ ما تُسلّيــه الـمُدام وعيشٌ مثلـما تهَب اللئامُ وما أنا منـهم بالعيش فيهم ولكنْ معدنُ الذهب الرغامُ أرانبُ غير انّـهم ملـوك مفتّحـةٌ عيونـهم نيــامُ وايضاً يقول في القصيدة الاخري: [5]

أطاعنُ خيلاً من فوارسها الدهر وحيداًوماقولي كذا ومعي الصبرُ؟ وأشجعُ منّي كلّ يوم سلامتـي وماثبتـتْ الا وفي نفسـها أمرُ تمرّستُ بالآفات حتي تركتُـها تقولُ: أفات َالموتُ أم ذُعر الذعرُ وأقدمتُ إقـدام الأتيّ كأنّ لـي سوي مُهجتي اوكان لي عندهاوترُ ذرِالنفس تأخذْ وسعها قبل بينها فمفترقٌ جـاران ِدارهما الـعمر ولا تحسبنّ المجد زقّاً و قينـةً فما المجدُ الا السيفُ و الفتكة البكرُ

لحظ أبوه فيه مخايل الذكاء فألحقه بإحدي المدارس العلوية [6] و بذلك اتّصل مباشرة بتعاليم الشيعة و حدث أن نهب القرامطة الكوفة سنة 312، فانتقل به أبوه الي بادية السماوة بين الطرق و تدمّر و ظلّ بها عامين [7] أتاحاً له أن ينهل من ينابيع اللغة الأصلية و يعود الي الكوفة مع أبيه و قد تفتّحت ملكته الشعرية و رأي أن يتجه الي المديح لعلّه يخطي بما كان يخطي به المادحون من اموال، فمدح أبا الفضل الكوفي و لزمه و كان من المتفلسفة فدرس الفلسفة عليه و يظهر انه كانت في أبي الفضل نزعة قرمطية ، لقّنه المتنبي كما لقّنه الآراء الفلسفية ممّا كان له أثرٌ واسع في تصوره للحياة إذ بدت فيه منذ حداثته نزعة شديدة الي التشاؤم و الثورة علي الدهر و الناس. علي انّه لم يلبث أن ترك الكوفه الي بغداد سنة 316 فامتدح بها محمد بن عبيد الله العلوي و في ذلك ما يدلّ علي نزعته الشيعية كما امتدح متصوفاً يسمّي هرون بن علي الاوراجي ،كان له شأن في قصة الحلّاج و اتصاله به و مديحه يدلّ علي انّه لقّنه مبادئ المتصوفة. و نراه يرتحل الي الشام فيمدح بعض شيوخ البدو و بعض الاشراف في طرابلس و اللاذقية و تظهر بين البدو حركة للقرامطة فينضمّ اليها و يأمل أن يحقّق أحلامه السياسية و يستجيب كثير من البدو اليه و سرعان ما انقلب يدعو الي نفسه حانقاً علي ما صارت عليه الأمور في البلاد العربية إذ أصبح زمام الحكم بِيد الأعاجم و لم يعد للعرب نفوذ و لا سلطان. [8] يقول: و انّما الناس بالملوك و ما تُفلح عُربٌ ملوكها عجمٌ [9] غير انّ ثورته لم تنجح. فقد قضي عليها لؤلؤ والي حمص، من قبل الاخشيديين و زجّ به في السجن حوالي سنة 322 و ظلّ فيه نحو عامين، ثمّ ردّت اليه حرّيته و إلي هذه الثورة يرجع لقبه المتنبي الذي اشتهر به [10] و لكن هل تنبأ حقيقة؟ اكبر الظنّ أنّ هذه القصة و ما اتّصل بها من نثر يقال انّه حاكي به القرآن منتحلة عليه و كأنّ مَن انتحلوها أرادوا أن يُفسّروا لقبه و يقول ابن جنّي إنّه لُقب بذلك لقوله: ما مقامي بأرض نخلة الا كمقام المسيح بين اليهود أنا في أمّة تداركها اللهُ غريبٌ كصالح في ثمود [11] فهو لم يتنبّأ و انّما خُلع عليه اللّقب لتشبّهه بالأنبياء في هذين البيتين [12] و ربّما لُقّب بذلك لفطنته في الشعر و نبوغه. [13] و شعره في هذه الفترة الأولي من حياته يزخر بالفخر و الاعتداد بالنفس اعتداداً مفرطاً فهو يرفع نفسه علي الناس مِن حوله و يزدريهم و يحقد عليهم حقداً شديداً. بل انّه ليحقد علي الزمن. و تتّسع المبالغة عنده و نظنّ ظنّاً انّها جاءته من عقائد الشيعة في ائمتهم و ما كانوا يخلعونه عليهم من صفات إلهية، و قد تحوّل بها الي فخره و حديثه عن نفسه و مديحه و حديثه عن غيره و كانّه يظنّ ممدوحيه أنصاف آلهة. و يخرج من السجن وقد آمن بأنّ سلطانه الذي ينبغي أن يفرضه علي الناس هو الشعر. فعاد اليه و تجول في بلد الشام يمدح الولاة والعمّال ،و سرعان ما تعرّف علي بدر بن عمار والي دمشق و وجد عنده ما كان يأمله من عطاء كما وجد فيه الأمير العربي الذي يبحث عنه، فخصّه بخير مدائحه في تلك الحقبة و مدح كثيرين غيره و نال جوائزهم و شعره في هذه الفترة كسابقتها يملؤه بالمبالغة و الفخر المسرف بنفسه. والاصل أن الشاعر حين يمدح لا يفكّر الا في ممدوحيه امّا المتنبي فكانت تشغله نفسه و كان دائم الذكر لها و لمّا يحسّه من ثورة علي الناس و نظاميهم السياسي و الاجتماعي. ومن ثَمّ جعل مدائحه شركة بينه و بين ممدوحيه و هو يضع فيها نفسه أوّلاً و لعلّ ذلك ما جعله ينصرف غالباً عن الغزل و النسيب يقدّم بهما قصائده فهو يعيش في نفسه و مثله لا يحسّ الحبّ. انّما يحسّ آماله و مطامحه و ما يجيش في صدره من ثورة علي الزمن و المجتمع. و كل ذلك يضعه في مستهلّ قصائده مقدمةً تميّز بها مِن بين شعراء العربية. قدّمنا أنّ أبا تمام كان ينزع هذا المنزع في بعض مدائحه ولكنّه كان يخلط شكواه بالحبّ ،امّا المتنبي فجعل شكواه خاصّة بنفسه و بأفكاره عن المجتمع و أخلاق الناس مضيفاً اليها ضرباً واسعاً من التشاؤم. [14] لقد لبث أبو الطيب بالشام خمس عشرة سنة و هو دائم الرحال غير مستقرّ علي حال يقصد الممدوحين فيخيبون أمله، فتثورُ نفسه و تتحكّم كبرياؤه ثمّ يعود فيكبتُ النفس الأبية و يمسك كبرياؤه بيَده و تلجئه الحاجة الملحّة الي معاودة المدح و قد مدح أثناء ذلك اثنين و ثلاثين رجلاً بأربع و أربعين قصيدة و منهم التنوخيون باللاذقية و بدر بن عمار الأسدي ومساور بن محمد الرومي والي حلب و قد نظم في تلك المدة خمس قصائد لنفسه، يعرب فيها عن مطامعه و يفخر و يثور و هي قصائد التي أبانت عن آماله و أوضحت عن أحلام نفسه الكبيرة و لم يُفدْ ابو الطيب من مديحه الّا العطاء النزْر علي كثرة ما بالغ واحتفل. روي الثعالبي:أنّ علياً بن منصور الحاجب أعطي أبا الطيب ديناراً حينما مدحه بقصيدته فسُمّيت القصيدة الديناريّة: [15] بأبي الشموس الجانحات غواربا الآبسات من الحرير جلاببا الذي يقرأ الديوان يدرك أنّ المتنبي كان يستعمل هذا الضرب من ذكر الآمال وطلب المجد و السؤدد في اول قصائده التي يمدح بها كما كان الشعراء يستفتحون قصائدهم بالنسيب.و في شعر المتنبي انّه حارب في سبيل غايته و عارك و قتل و لا ندري متي حارب و مَن قتل و لعل ذلك و هو وسوس به اليه شيطانه النافر الجامح. و مِن عجب انّ ذلك الشاعر الطامح الي الملك و السلطان الذي وسع صدره هذه الآمال الكبار كان فقيراً معسراً لم ينل من حياته عيشاً رغداً يقول في إحدي قصائد صباه:

أينَ فضلي إذا قنعتُ من الدهر و بعـيش ِمُعجّل التنكيد ضاق صدري وطال في طلب الرز ق ِقيامي و قل عنه قعودي

[16] «لم يكن أبو الطيب يتغنّي بالثورة و المجد عبثاً و ما كان عاجزاً يمِنّي نفسه بالقول دون الفعل و انما كان يسعي لآماله سعي المُشيح المجد ،فتركّزت آماله في عقله الباطن و راح يعمل علي تحقيقها في هدوء و يقين و ثقة بالنجاح و قد استمرّ يمنّي النفس و يبسط آمالها سبلَ الأمل الباسم الخلّاب حتي قتل الزمان هذا الأمل في رأسه و خياله. فآب صامتاً محتملاً يشكو لنفسه مطل الزمان و لا يشكو لبني الانسان فهو يراهم دونه بكثير.» [17]
سيرته وشخصيته

: تتّضح شخصية المتنبي حين نتابعه في حياته وقد رأيناه يخرج الي البادية في سن التاسعه و يعود في الثانيه عشره من سنّه و علي ما كان في الكوفة من ثقافات و يتعرّف علي كتب الفلسفة عن طريق ممدوح كوفي له يسمّي أبا الفضل و عن طريقة يتصرف علي التصوّف و بكلّ ما قدّمنا نستطيع أن نعرف العناصر التي أسهمت في تكوين شخصيته فهو عربي لحماً و دماً و تستأثر به العروبة إلي أقصي حدّ حتي لتجعله لسانها الناطق بها طوال حياته. [18] في اواخر الاضطراب بين ولاة الشام التابعين لبغداد و الآخرين التابعين لمصر جاءه نعي جدّته فحزن عليها حزناً شديداً و رثاها رثاءً حارّاً بميمية التي يقول فيها مفاخراًبقومه و أهله: [19] وانّي لمِن قوم ٍكأنّ نـفوسَهم بهاأنفٌ أن تسكن اللحم والعظما خلاعبرت بي ساعة لا تُعزُّني ولا صحبتْني مهجة تقبل الظلما وهما بيتان رائعان يصوّران الأنفة و العزة الي أبعد حدّ و هو جانب في شعر المتنبي جعله محبّاً لكلّ عربيّ ،اذ تتوهّج اشعاره بخصال العربيّ الكريم و ما يشعرُ به من العزة و الأنفة و الإباء و الشعور بالكرامة و الترفّع عن الدنايا الي أقصي حدّ و كأنّه ترجمان العرب عن فضائلهم العليا الوحيدة الصخر و بهذه النفس العاتبة كان المتنبي ينظم شعره منذ سال علي لسانه في الكتاب معبراً عن الروح العربية التي لا تقهر مهما نزل بها من الكوارث و الخطوب. [20] كان ابو الطيب المتنبي الشاعر الذي خُلّد مع فنّه الخالد و شعره الشاعر فقد كان شاعراً كما يبيّن في شعره متكبراً أبيّاً معجباً ،بَعيد الهمة و كان شجاعاً عظيم الإقدام و قد سطرت عليه أخلاقه هذه و لعبت بحياته، فجعلته متعالياً عن شعراء وقته غروفاً عن مسايرتهم في اللهو و المجون و معاقرة الخمر و كان كذلك صادق القول صريحه. قال عليّ بن حمزة: «انّه لم يكذب قط و من آثاره هذا أنه كان ينفر من التكلف و يفضل البداوة علي التحضّر. و كان ابو الطيب عدا ذلك حاقداً علي الناس يحقرهم و يطوي كشحه لهم علي الموجدة و الضغينة. و ذلك اثرٌ مِن آثار اعتداده بنفسه و طموحه الي السؤدد ثمّ قصوره عن بلوغ أمله علي انّه –برغم هذا- كان وفيّاً لاصدقائه محبّاً لهم متأسّياً لفراقهم، جازعاً لموتهم ثمّ كاده في كلّ هذا حزين الطبع، ثائراً يتنزّي قلبه ألماً و حسرة علي ما أمل و فشل و ممّا أثر عن المتنبي انّه كان بخيلاً ،حريصاً علي المال ليبلغ به غالية و يستعين به علي تحقيق آماله الجسام و أحلامه الواسعه. [21] لقد كان الناقد الفرنسي «تين» [22] يذهب الي أنّ الشاعر يتأثر بوجدان عصره و انّه يقلّد مَن سبقه ممَّن يتذيّعون في العصر كما انّه يتأثّربالمجتمع و البيئة. و «إليوت» [23] ذاته يقول انّ قسماً من الشعر يبتدعه الشاعر و انّ قسماً آخر يدرّ له من التراث و انّ الجزء الحيّ من التراث يبقي مستمراً عبر الأزمنة و عبر الشعراء لانّه ممثّل الانجازات الناجحة و الثابتة ممّا ألمّ به الشعراء. فللمتنبي قيمة نسبية تفوق قيمته في مبدأ الشعر. و لا بدّ ان تكون له طباع طبع عليها ممّا وهبته ايّاها الطبيعة و قد أثِر عنه انّه فائق الفطنة و الذكاء و انّ له ذاكرة كانت قادرة أن تحفظ عن ظهر قلب صفحاتٍ عديدة تعرض عليه من كتاب و بخاصة الشعر. و لسْنا ندري كيف يقدّر قدر الذكاء و كيف تتميّز الذاكرة عمّا دونها، و هذه أمور لها حسابات سيكولوجية وراثية يعوّل او لا يعوّل عليها. و كانت ولادة المتنبي ولادة شبه متواضعة والدته إمرأة طيبة و لكنّها غير متأصّلة في أصل عريق النسب كما تؤثر الانساب العربيه. لم تسجَّل عن والده صفات و أحوال تميّزه بميزة ما، و انّه كان يكسب رزقه و رزق عياله من مهنة يسيرة يستسقي بها الناس في الكوفة ومهنة السقاية لا مهنة فيها و هي لا تقتضي مهارة و لا تقوم علي صنعة يثقّف المرء عليها و دربة قاسية لا يمكن أن يتميّز المرء فيها بميزة ، يغدو بالماء و يناوله لمَن يطلبه و سائر المهن كانت تقتضي مهارة يدوية كصناعة السيوف و الرماح و الخمرة و الأجلة و كلّ ما يتعلّق بالانسان و الحيوان. [24]

و نحن انّما نُشير الي ذلك في هذا المقام لنفيد منه دلالة وراثية او عائلية أو بيئوية و هي أنّ والده ما كانت تحفّزه الحوافز العليا كابْنه و المهنة التي ارتزق بها كانت الأدني. و من هذه الظاهرة قد يمكن القول أنّ ثمة تناقضاً حاسماً بين الوالد و الولد. فالوالد أسلس قياده لقدره و الابن ما كان يسلس الأمر. وكان يكاد لا يحلّ في مكان حتي يرتحل عنه ولا تطيب له حالةحتي ينبو عنها وما كانت تعجّبه رتبة ما فيقفُ عندها و يرضي بها علي انّها نهائية. فكلّ ما سعي اليه المتنبي وما أدركه كان يحسبه مؤقتاً و حياته كلّها كانت مؤقتة يترقب من خلالها زمناً آخر يكون هو زمنه الحقيقي و تتحقّق فيه حياته الفعلية التي يريدها. الا أنّ المراجع لا تفيدنا عن ذلك بيقين نطمئنّ اليه، و أحد الدارسين لقي نسخة خطية بدار الكتب المصرية من ديوانه [25] و فيها اشارة تقول انّه كان من أوسطهم حسباً. و النقد الداخلي لسيرة أبي الطيب يؤكّد لنا ذلك و لو انّه تحدّر من صلب والد كبير النسب و الحسب لملأ عليه الآفاق فخراً، كما فعل الفرزدق حين أطبق علي الكون كلّه علي صنّاجة فخرية ذات صحب. فكلّ مرة يقتضيه أن يفخر بوالده فانّه يرفّ علي ذكره بجناحٍ رفيق و يعبّر الي تمدّحٍ آخر بنفسه. [26]

والمتنبي يقول: [27] ما بقومي شرفتُ بل شرفوا بي و بنفسي فخرتُ لا بجدودي وبهم فخرُ كلّ مَن نطق الضا د وعوذ الجاني وغوث الطريد أو قوله في رثاء جدته: و لو لم تكوني بنت أكرم والدٍ لكان أباكِ الضخم كونكِ لي اُمّا [28] ما كان أمر النسب هيّناً علي المتنبي و إن لم يكن يصرّح بذلك في تصريح نُقل عن الرواة و نحن نستطلع ذلك من خلال مدائحه وما لعنصر الأصل فيها من أهمية حتي انّها كانت تكون من صلب القصيدة عند سيف الدوله و ذكر الحمدانيين أباً و أخاً و جداً بل أجداداً و لم تكد تخلو منه قصيدة في مدح سيف الدوله وكذلك فانّه حين ألمّ بعضد الدولة كان مدحه بذاته يجري مع مدحه بشقيقه و أبيه و أجداده و حتي بأبنائه و يبدو انّه كان لعضد الدولة ابنان و حسب و كان المتنبي يتوسّم فيهما النجابة و انّهما حرّيان أن يكملا سيرة والدهما و أجدادهما. و حين بنت به الحيلة في مدح كافور بأصله ابتدع تأويلات جدلية هزلية في تبرير السّواد والنهود من الذات و ما أنسبه. انّه ينجذب عن المعاني و يميل الي الصور الحسية التي تغدو رموزاً كبري في متون قصائده. و من خصائص الرمز الفني انّه اذا تكرّرت الصورة في شعرها فانّها تغدو محوراً له و تغدو رمزاً سمّو به التجربة الي مثل ذروة عليا. [29] لا بدّ لنا أن نتناول هذه الظاهرة عند المتنبي علي انّها رمز كبير و عندها تسمو و تصفو و ترفع مستوي الإبداع عند الشاعر و تكون في الآن ذاته من الداخل والخارج و أفضل شعره ما كان وجدانياً و إنّ الوجدانية لا تدرّ للمتنبي الا حين تتّحد عنده الذات مع الموضوع و أهمّ ما يكون ذلك في تلك المقاطع التي تطول و تقصر عنده في تمثيل قيام الشاعر بدعوته و نشرها و انّه نال غايته فيها و انّه بات قائداً روحياً أمثال الدعاة الكثيرين في عصره من الشيعة و الاسماعيلية و بخاصة من القرامطة يبدو إنّ المتنبي كان يعدّ نفسه لمهمته ويقرأ عليها. لعلّها كانت كتباً ممّا تسيّر في زمنه: ديانات و فقهها و دواوين شعريّة و أراجيز و علم اللغة و تاريخ و فلسفة و رياضيات. و شعره يبيّن لنا انّه كان عميق الثقافة في آداب عصره و علومه و ما كان العلم يومها متخصصاً بل انّ المتعلم يتعلم العلوم و الاداب كلها في فروعها كلها. و الشعراء العرب و من بينهم –المتنبي- كانوا يتبدّون في البادية أزماناً تطول و تقصر وفقاً للشاعر و قدرته علي تملك اللغة و إساعتها صاحب «الصبح المنبي» يقول: انّ المتنبي أنفق في البادية سنتين و انّه عاد بدويّاً قحّاً. أنفق هذه المدة في بادية السماوة و ماذا تعني عبارة «بدويّ قحّ»؟ النقّاد يرون انّه امتلك اللغه علي عباراتها و صيغها. وهذا أمرٌ موكّد و ضمني. الا أنّ التبدّي لا يقتصر أمره علي اللغة. انّه يكسب حياة كاملة قائمة بذاتها بتقاليدها و عاداتها و ترابها و صحرائها و رمالها و عشبها و حيواناتها و طيورها و شمسها و مغيبها و رياحها و أنسامها و طرقها و كلّ ما يمكن أن يكون خاصاً بتلك الحياة. و هذه الخبرة في طبيعة البادية و حياتها و تقاليدها و أعراضها لا تقلّ اهمية من اللغة ذاتها بل أن اللغة ذاتها تغتذي من تلك الخبرة او انّ تلك الخبرة تغتذي من اللغة. و غايتنا من ذلك انّ نقول انّ المتنبي كسب من الصحراء فضلاً عن الذائقة اللغوية و اللّاوعي اللغوي الحيّ ، خبرة حسّية و نفسية بالمادة و هذه الخبرة ستكون عنده مادية للتجسيد، حين يستفيض في معاناته و لا يقيم لها عبر الإطار الذهني و الفكري علي المعاني ،الملفوطة الموات و نحن لا نذهب الي انّ المتنبي اختزن الحسية كلّها مِن تبدّيه في بادية السماوة و انما يخيّل الينا انّ الخبرة الحسية في زمن المراهقة و ما قبلها قليلاً أو بعيداً تظلّ الأعمق و الأبقي و الأدق في الوجدان و في العيان. و الشعر الفاقد الخبرة الحسية انّما يحول الي هباءٍ من العواطف المندثرة. كان المتنبي بعيد الطموح الشديد العصبية معتدّاً بنفسه يتعاظم علي الناس. و لقد غفر الدارسون له ذلك عند الكلام علي صفاته لانّه كان فارساً شجاعاً بعيد التفكير، واسع المعرفه، وفيّاً لمَن عرفهم عفيفاً النفس و اليد. [30]
-
الفخر لغهً

: حول لفظ الفخر جاء في «محيط المحيط»: فخر يفخَر فخراً و فخاراً و فخارهً و فخّيري و فخّيراء. تمدّح بالخصال و باهي بالمناقب و المكارم مِن حسب و نسب و غير ذلك إما فيه او في آبائه فهو فاخر. و فخره عليه و فضّله عليه في الفخر. «فاخره» عارضه بالفخر فغلبه و كان اكرم منه. قيل أصل الفخر في الشيء الزياده في اجزائه. «تفخّر» الرجل تعظّم و تكّبر.«إستفخر» الشيء و اشتراه فاخراً وعدّه فاخراً. الفاخِر اسم فاعل و الجيد من كل شيء و بُسرٌ يعظم و لانوي له. «الفخّير» الكثير الفخر. «الفخور» المتمدّح بالخصال و الناقة العظيمة الضرع القليلة اللبن. [31] أنشد ثعلب: فأصبحتُ عمراً و أعميتُه عن الجود والفخر يوم الفخار الفخر المباهاة في الاشياء الخارجة عن الانسان كالمال و الجاه يقال له الفخر و رجل فاخر و فخور و فَخير علي التكثير. [32] قال تعالي: «انّ الله لا يحبّ كلّ مختال فخور» [33] و يقال فخرتُ فلاناً علي صاحبه حكمت له بفضلٍ عليه و يعبّر عن كل نفيسٍ بالفاخر. يقال ثوب فاخر، نافة فخور: عظيمة الضرع ،كثيرةالدّر. الفخّار، الجرار و ذلك لصوته اذا نُقر كانّما تصوّر بصورة مَن يُكثر التفاخر. [34] قال تعالي: «مِن صلصالٍ كالفخّار» [35]

الفخر اصطلاحاً: هو تمدّح المرء بخصال نفسه و قومه و التحدّث بحسن بلائهم و مكارمهم و اكرم عنصرهم و وفرة قبيلهم و رفعة حسبهم و شهرة شجاعتهم. [36]

الفخر في الانكليزي: «vaing lorius poetry» في الفرنسي: «poesie de jactance»

هو في الأدب نوع من الشعر الغنائي ينظمه الشاعر لتعداد فضائله و فضائل قومه. [37]

و قد رأينا في الادب العربي أنّ الشعراء ينشدون اشعارهم في موضوعات مختلفه لاغراض مختلفه و بالأخص موضوع بارز في شعرهم هو الفخر و الافتخار بأشياء كثيرة. و الفخر من اساسيات الشعر في الجاهلية و صدر الاسلام و العصور التالية ينشد الشعراء القصائد الفخرية لرفعتهم و علوّ مقامهم و عظمة قبيلتهم و قومهم. و حينما نطالع تطوّر الفخر في العصور المختلفة نجد انّ الفخر كان يدور حول قبيلة الشاعر و قومه و اوصاف قومه و حروبهم و فروسيتهم و في عصر صدر الاسلام كان يدور حول اوصاف النبي (ص) و مكارمه، و اما في العصر العباسي برز الفخر في اشعار الشعراء العباسية بشكل رائع. كان يدور حول الفخر بنفسهم و بشعرهم و بطولتهم و شجاعتهم. و حينما كان الشاعر يمدح والياً و حاكما يتكلّم عن نفسه و شعره و شجاعته خلال اشعاره مثل ابوفراس-المتنبي-ابوالعلاء المعرّي-الشريف الرضي...
الفخر عند المتنبي

: الفخر كثيرٌ في ديوان المتنبي و هو مبثوث في جميع قصائده تقريباً، و إن لم يستقل بواحدة منها، فأبو الطيب يفخر في جميع أحواله سواء رثي أم مدح أم هجا أو تغزّل أم شكا، و لا عجب فهو لا يري له مثيلاً في الوجود، يعبد نفسه و يكاد لا يعرف في الأرض سواها. أحسّ بعظمة شخصيّته و قدر صفائه. من أنفة و عزّة و شاعرية حق قدرها بل فوق قدرها فامتلأ صدره و فاض عمداً و كرهاً. «زدْ علي ذلك اشتهار اصله العربي بالفصاحة و البيان و قبيلته اليمنية بالفروسية و الشجاعة. و كان له أيضاً من نشأته البدويّة ما مكّن فيه نزعة المفاخرة حتي أصبحت فيه طبعاً و من معاكسات الزمان و مناهضة الحسّاد. ما جعله يعمد الي الفخر تفريحاً و تعزية للنفس.» [38] كانت روح الفخر-و الفخر بنفسه- شائعة في جميع اغراض شعره فهو لا ينسي نفسه حين يتحدّث عن أيّ غرض شعريّ فقد كان صريحاً جريئاً في التعبير عنها «و أثناء قراء تنا لقصائده الفخرية فإننا نتلمّس فيها روحه و طموحه و قوّة نفسه و المبادئ و المثل العليا الّتي آمن بها و اعتنقها.» [39] كان المتنبي متعاظماً شديد الذهاب بنفسه لا يري أحداً فوقه و لا أحداً مثله. و قد ملأ قصائده بالفخر حتّي تلك التي كان يلقيها بين يدي الممدوحين و ربّما رفع نفسه فوقهم. «كان المتنبي يفتخر بأسلافه و بأهله و بنفسه يفتخر بعفّته و وفائه و عزمه و بنفوذ بصره في الأمور كما كان يفتخر بشعره و يجعل معاني الشعراء المعاصرين له تبعاً لمعانيه و كان من أشهر من تفاخروا بكل شيءٍ في شعرهم.» [40] قلَّ فخر المتنبي بقومه و اذا فخر بهم أوجز و أجمل لقلة ما عُرف عن آبائه الأقربين من المآثر و المفاخر و لانّه كان يعدُّ نفسه مفخرة قومه حيث يقول: لابقومي شرفتُ بل شرفوابي وبنفسي فخرتُ لا بجدودي [41] و لذلك حصر فخره في نفسه مطرئاً عزمه و صبره و خبرته حيث يقول: كأنّي دحوتُ الارض من خبرتي بها كأنّي بني الإسكندرالسدّ من عزمي [42]

«و هو يحبّ أن يتمثل بعنترة فيصف نفسه في المعمعة يوقع بالعدو المذعور بالسيف والرمح و كم تسمعه يتغنّي بشاعريّته ذاكراً مقدرته في الشعر و انقياد القوافي له.» [43] حيث يقول: أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهرالناس جرّاها و يختصمُ [44] و يذكر ايضاً سيرورة شعره قائلاً: وماالدهرالا من رواة قصائدي اذا قلتُ شعراً أصبح الدّهر منشداً [45] لقد برعَ المتنبي في ميدان الفخر و استطاع به اَن يرفع نفسه و من فخر بهم الي مراكز مرموقة لم يصل اليها غيره من الشعراء نستطيع اَن نقسّم فخر المتنبي إلي قسمين:

أ-فخر تقليدي: «كانت الفروسيّة عماده و لذلك جري الحديث عن القتال و الشجاعة و البطش و التضحية و الدّماء و النصر و لجأ المتنبي في تناول المعاني السابقة الي شيءٍ من المبالغة فيها و هو أمر طبيعي يصيب الشعراء عند الإحساس بمشاعر الانتصار. او عند التحقق من هزيمة العدوّ و فراره من أرض المعركه.» [46] مثل هذه الأبيات الّتي يتحدّث فيها عن بطولته و جرأته و تفوّقه: وَاِن عمرتُ جلعتُ الحربَ والدة والسمهريّ أخاً والمشرفيّ أبا [47] تمرّستُ بالآفات حتّي تركتُها تقول:أمات الموتُ أم ذُعرالذُعُر وأقدمتُ إقدام الأتيّ كأنّ لي سوي مهجتي اَوكان لي عندهاوترُ [48] أنا تربُ النّدي وربُّ القوافي وسمامُ العدي و غيظ الحسودِ [49] ومُهجةٍ مهجتي من همّ صاحبها أدركتها بجوادٍ ظهرهُ حرمُ [50]

ب-فخر وجداني: كانت الذاتية محوره في اكثر الأحايين و اهتمّ المتنبي فيه بالحديث عن مكارم الأخلاق و الخصال الحميدة و حُسن التصرف و السلوك و الترفع عن الدنايا. «قدشاع هذا الأمر في شعر المتنبي و ظهرَ بشكل أكثر وضوحاً في كلّ مرحلة شعر المتنبي أثناء ها اَنّ آماله و طموحاته الّتي عقدها علي سيف الدوله اَو غيره قد أصابها التردّد أو الاخفاق و الفشل في تحقيقها. اِنّ فخر المتنبي الوجداني قد تميّز بميزة التجديد و كان هو الأفضل شعراً و مثاليّة و عظمةً خصوصاً و اِنّ الحكمة قد تخلّلت الكثرة المطلقة من قصائده و هذا أمرٌ لم يتحقّق من قبل علي يدِ أيٍّ من الشعراء السابقين عليه.» [51] مثل القصيدة التالية الّتي يفخر الشاعر فيها بنفسه: [52] أناصخرة الوادي اذامازوحمت وإذا نطقتُ فانّني الجوزاءُ شِيَم الليالي أن تشكّك ناقتي صدري بها أفضي أم البيداءُ فتبيتُ تُسئدُ مسئداً في نيّها إسآدها في المَهمهِ الإنضاءُ [53] أنساعُها ممغوطهٌ وخفافها منكوحهٌ و طريقها عذراءُ [يقول:ذلك كناية عن عظم بطن الناقة حين امتدّت أنساعها فطالت وخفافها منكوحة مثقوبة بالحصي وكُنيَ بهذا عن وعورة الطريق وطريقها عذراء لم يسلك قبلها.

يتلوّنُ الخرّيتُ من خوف التّوي فيها كما يتلوّنُ الحرباءُ

[54] الشاعر كما تري في هذه الأبيات يفخر بنفسه مقتصداً في الفخر و لكنه اقتصاد لا ينبغي أن يخدعنا عن إمتلاء الفتي بنفسه فهو اقتصادٌ في الألفاظ لا في المعاني .«فالشاعر صخرة تزحم من يزاحمها. و الشاعر نجمٌ بل هو الجوزاء بين الشعراء فإذا لم يفطن الأغبياء و الجهّال لمكانة فهو عاذرٌ لهم. و هل علي الأعمي حرج أن يراه. و لكن أنظر إلي تصوير الشاعر و لهمّه البعيد و أمله العريض و صدره الواسع كيف ذهب فيه هذا المذهب اللّطيف فأشرك ناقته في التفكير و أشرك الليل في العمل.» [55] الْذي نراه اَنّ دواعي الفخر و العُجب بالنفس وفيرة كثيرة يرجع بعضها الي المجد التليد و بعضها الي ما يكتسبه المرء حديثاً من محيط حياته. و المجد المكتسب اكثر إثارة للفخر و العجب من المجد الموروث لانّه نتيجة كفاح و بذل و تضحية أو نتيجة ذكاء و عبقرية لَم يرثه المرء ممرعاً خصباً غرسه له. و مِن ثمَّ فانّه يغري المرء بالاِعتزاز بنفسه التي استطاعت اَن تشقّ طريقها في الحياة الي غاية جلية مرموقة بينما غيره من الناس يتساقون دون تلك الغاية إعياءً و عجزاً او تهاوناً و إتكالاً أو حمقاً و جهلاً. و من ثَمّ فعُجب المتنبي بنفسه و تغنيه بسبقه ليس ستراً لنقص و تغظيه لضعة و غروراً ذائفاً كما يروق الناس اَن يقولوا. و لكنّه فخر يستند إلي أسس واقعية تدفع اليه دفعاً. و من هذه الأسس التي نراها مبرّراً للفخر و التغنّي بحسن الصيت: [56] 1-قوة الشاعريّة، فقد حجب شعراء جيله و اعترفوا له بالسبق و التقدّم. 2-اتّساع دائرة المعارف، فقد كان طلعة يلتهم الحكمة أنَّي كانت و أنّي كان مصدرها فهو ضليع في اللّغه، بصير بالفلسفة خبير بالآداب. 3-اتّصاله بسيف الدوله الحمداني و غيره من الحكّام و الوُلاة و حرصهم علي الاستئثار به و التفرد به دون من عداهم من الولاة و الأمراء. 4-تقديره لخطورة الرسالة التي يقوم بها و هي بعث المجد العربي و إحياء ما اندثر من سلطانه و تقلْص من ظلْه بينما غيره من الشعراء يلهو و يمرح دون اَن يهدف الي غاية او يرمي إلي مأرب. 5-اعتزازه بفروسيته و خوضه كثيراً من المعارك مع سيف الدوله و ثباته و سلامته حينما انهزم الناس اَو جندلتْهم السيوف اَو وقع كثير منهم في ذلّ الإسار. 6-احترامه لنفسه الّتي عزفت عمّا تهالك عليه الشعراء من لهو و عبث و مجون و فسق فرأي في نفسه طرازاً لا يجانسهم و لوناً لا يمائلهم فاستخفّ بهم و بِمَن شاكلتهم ممّن قطعوا الحياة لاهين. 7-سلامته علي رغم ما نصب له من أشراك و ألقي عليه من شباك ممّا يقنعه اَو يوهمه علي الأقلّ أنّه اَوسع مكراً و أشدّ كيداً و أقوي حيلة ممّن فلتَ من ايديهم ككافور و جنوده. 8-تهالك رؤساء الزمان علي استدعائه و استزارته كالصاحب بن عبّاد. و خوف ابن العميد منه اَن يتجاهله و لا يحطّ رحاله بساحته. 9-توسّط الأمير أبي محمد الحسين بن طغج له في مدح عبد الله بن طاهر. تلك الوساطة الّتي تشعره بحرص الناس علي تسجيل أنفسهم في أدبه و علي لسانه ممّا يعطيه صورة عن نفسه أنّه محلّ الطّمع و منتهي الرّجاء. 10-جلوس عبد الله بن طاهر بين يديه مجلس المادح من الممدوح و جلوسه مادحاً بحضرة سيف الدوله و عدم تكليفه تقبيل الأرض بين يديه. فان إعتزّ المتنبي بتلك الشاعرية الّتي سمت به إلي كلّ ذلك أو تغنّي بغيرها من مقوّمات شخصيته فانّه تغنّ بما تحقّق في واقع الحياة. و ليس أملا يراود خاطراً لكيلاً أو عزماً بليداً. و هو تغنّّ بما كسبه بنفسه و حققتْه يده لا بما ورثه عن أب أو تلقّاه عن جدّ. و الناس اكثر تقديراً للعِصامييّن الّذين شقّوا طريقهم في الحياة بأنفسهم.
شرح و تحليل بعض القصائد الفخرية في ديوان المتنبي

: حينما تنظر بدقهٍ في ديوان المتنبي و تطالِعُه تجد قصائد و ابياتاً في موضوع الفخر كثيرةً جدّاً. كان المتنبي يفتخر فيها بمضامين مختلفهٍ كما مرّنا.نسعي في هذا المجال أن نذكر القصائد الفخرية و نشرحها باختصار و نحصي عدد الابيات و القصائد الفخرية في ديوان االمتنبي و هو اكثر من عشرين قصيدة فخرية.
الاعتزاز بشعره

امّا فخره بشعره –كما قدّمنا- فهو متناثر في عدّة قصائده و حتّي أنّ الكثير منه يأتي في نهاية القصائد المدحية. في هذا الصدد نستطيع أن نشير إلي القصيدة الْتي يمدح فيها بدر بن عمّار و هي من الوافر و القافيه من المتواتر هذه القصيدة تتكوّن من (46) ستة و اربعين بيتاً والأبيات التي يوجد فيها الفخر أربعة أو اكثر: [57]

أري المتشاعرين غرّوا بذمّي ومَن ذا يحمدالدّاء العضالا ومَن يك ذا فمٍ مُرّ مريضٍ يجد مرّاً به الماء الزّلالا وقالوا هل يبلّغك الثريا فقلتُ: نعم إذا شئتُ إستفالا جواب مُسائلي ألَهُ نظيرٌ ولا لك في سؤالك لا ألالا

الغريب: المتشاعرون: المتشبّهون بالشعراء-الدّاءُ العضال و العقام: الذي لا دواء له. الزّلال: الذي يزلّ في الحلق لعذوبته مثل السلسال- الثريا: يقال هي ستّه أنجم. المتنبي يقول في هذه القصيدة أنّه محسودٌ بسبب سيرورة شعره و حينما المتشاعرون و المتشجعون بالشعراء يذمّونه يفتخر بشعره و يذكر أنّهم يجهلون مقداره فيهم فهم يحسدونه و أشار انّ مثلهم كمثل المريض الذي يجد الماء الزلال مرّاً من مرارة فمه و هم يذمّونه لنقصهم و قلة معرفتهم به و بفضله و بشعره و لقد جوّد في هذا المعني لأنّ المريض يجد كل حلوٍ و طيّب في فمه مرّاً نغصاً فالمرارة في فمه لا من الشئ يدخله و انّما العيب فيه لا من الدواء. فأبو الطيب و الأعداء كذلك و هو من قول الحكيم: «النفس الكريمة تري الأشياء حسنةً» . «و يري الشاعر نفسه فوق الثريا لانّه أعلي منها درجةً و رفعة و نري في البيت الآخر باب التقديم و التأخير و أراد: لا و لا لك ضرورة كقول الآخر: «عليك و رحمة الله السلامُ» و مثله قوله تعالي: «أنزل علي عبده الكتاب و لم يجعل له عِوجاً قيماً» و التقدير: قيّماً و لم يجعل له عوجاً.» [58] و قوله : «و لو لا كلمةٌ سبقت من ربّك لكان لزاماً و أجلٌ مسمّي» و التقدير: «لو لا كلمةٌ و اجلٌ مسمّي...» يقول اذا سأله سائل فقال: هل له نظير؟ فجوابه لا و لا لك نظير في سؤالك عن هذا ،لانّ أحداً لا يجهل هذا غيرك فاذا انت في جهلك بلا نظير و كرّر النفي بقوله «ألا لا » إشارة إلي انّ جهل هذا السائل يوجب إعادةالجواب عليه.
تعظيمه نفسه

رأينا أبيات فخرية في القصيدة باسم «لك يا منازل» و التي يمدح الشاعر القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسين الأنطاكي تشتمل علي إثنين و اربعين بيتاً و يفخر الشاعر في خلال الابيات المدحية بنفسه و عظمته. منها:

[59]

وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بانّي كاملُ

يقول إذا ذمّه ناقص كان ذمّه دليل فضله لأنّ الناقص لا يحبّ الفاضل لا بينهما من التنافر. هذا من قول أبي تمّام: و ذو الفضل في الدّنيا بذي الفضل مولَعُ

أخذه هو من قول مروان بن أبي حفصة: وما ضرَّني حسدُ اللئام و لم يزل ذو الفضل يحسدهُ ذَوُو التقصير واصل هذا من قول الطرّ ماح: و قد زادني حبّاً لنفسي انّني بغيضٌ الي كلّ امرئٍ غير طائلٍ و أنّي شقيٌّ باللئام و لا تري شقيّاً بـهم الْا كريم الشمـائلِ
الفخربالمعالي

قال القصيدة وقد كسبت أنطاكية وقتل المهر والحجر، تشتمل علي تسعة ابيات في تحسين الصفات الحميدة والمعالي ، علي البحرالوافروفي خلالها يفتخر بهذه الصفات: [60] إذاغامرتَ في شرف مرومٍ فلا تقنـع بما دون النجومِ فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيمِ يري الجبناء أنّ العجزَ عقلٌ وتلك خديـعة الطبع اللئيمِ وكلّ شجاعةٍ في المرء تُغني ولامثلَ الشجاعةِ في الحكيمِ وكَم من عاتبٍ قولاًصحيصاً وآفتـُه من الفـهم السـقيمِ

الغريب: غامرتَ: رميتَ نفسك في الامورالمهلكة ، المغامرالملقي بنفسه في الغمرات. – مَروم: مطلوب ،رام الشيء :طلبه – السقيم: القاصر، الذي لا نفع فيه او فائدةمنه – الجبان:نقيض الشجاع. يقول : إذاطلبتَ شرفاً فلا تقنع بما دون أعلاهولا ترض بالسير منه.وأنّ طعم الموت في الامر الهيّن كطعمه في الامر الشديد الصعب ، وإذن فلا سبيل للمغامر الاأن يقصد أسمي الامور. لؤم طبع الجبان يريد العجز عن اقتحام العظائم في صورةالعقل حتي يظنّ أنّ عجزه وجريه علي حكم الجبن عقل، وليس الامركذلك وانما ذلك لسوء طبعه الردئ وصغر همته. والشجاعة كيفما كانت وفيمن كانت مغنية كافية وإذا كانت في الرجل الحكيم العاقل كانت أتمّ وأحسن لانضمام العقل اليها والمعني أنّ الشجاعة فيغير الحكيم ليست مثل الشجاعة في الحكيم. [مثْلَ: في قوله :ولامثل الشجاعة، إسم لا و إن كان مضافاً الي معرفة ، لانّه من الاسماء التي لا تتعرف باضافتها الي المعارف. والخبر محذوف : اي ولامثل الشجاعة في الحكيم موجودة .] ونري في القصيدة الاخري الفخر ببعض المكارم. قال يمدح سيف الدولة ويذكر بناءه ثغر الحدث سنة ثلاث وأربعين وثلاث مائة (954 م ) وفي مطلعها يفتخر بصفات العالية وهي العزيمة والارادة القوية في اهل العزائم: علي قدرِ أهل العزم ِتأتي العزائمُ وتأتي علي قدرِ الكرام ِالمكارمُ [61]

الغريب: العزيمة:مايعزم عليه الامور. يقول :العزائم انما تكون علي قدر اصحاب العزم فمَن كان كبير الهمة ،قويّ العزم عظم الامر الذي يعزم عليه. وكذلك المكارم انما تكون علي قدر اهلها فمَن كان أكرم كان ما يأتيه من المكرمات أعظم الرجال والمعني أنّ الرجال قوالب الاحوال، فإذا صغروا صغرت وإذا كُبروا كُبرت . وهذا كقول عبدالله بن طاهر : إ نّ الفتوح علي قدر الملوك وهمّا تِ الولاة وأقدام المقاديم.

كان المتنبي يحسبُ الفخر بالنسب و الآباء وسيلة للذين غلبَ عليهم المفتخرون بالنسب و الآباء و للّذين هم مقهورون عندهم. «و هو معتقد باَنّ الفخر بالآباء و النسب مبيّن نهاية العجز في انسانٍ و كانّه غاض و خاض في بحر الفخر بنفسه غوصاً عميقاً بحيثُ لم يظهر في التاريخ نسبُه و اسرتُه دقيقاً و هل كان من عرب قحطان اَو عدنان أو فارسيّ او نبطي.» [62] هذا هو المتنبي شاعر القوة و العبقرية و هذا هو عقله اللّماح و قلبه النبّاض و خياله الخلّاق و لسانه البليغ. هذا هو الرجل الذي ملأ الدنيا و شغل الناس في حياته و بعد مماته و كان بوقاً و جرساً في اُذن الأجيال يستحثّ الهمم و يدعوا الي القمم.
الخاتمة

نجد من كلّ ما سبقناه انّ شعر المتنبي لم يخلُ كغيره من الشعراء العظماء من الفخر. و كان أبو الطيب من أشهر من تفاخروا بكُلّ شئٍ في شعرهم. و نري انّ المجد شغلَه منذ صباه فلم يحفل بالملاذ و لم يغره الحبّ و لم يشرب الخمر و اعتنق سيفه و صحب رمحه و حصانه سعياً وراء تحقيق المطامح الكبري. «و لقد حفل شعره بفخره و خاصة المديح و الهجاء و بعض القصائد المستقلة. كان يعتقد انّ المديح مجرّد عمل ككلّ الاعمال يضمن به رزقه يفي به الممدوح حقّه و ليس ملوماً بعدئذٍ ان إفتخر بنفسهِ.» [63] انّ للألم يداً كبري في تكوين نفسية الشعراء و أثراً بعيداً في شعرهم و لاسيّما الشعراء الوجدانيين و سواد شعرائنا في جملتهم فالألم يُرقّ العواطف و يرهف الاحساس فيجعله متيقّظاً لِأخفي المشاعر متنبّهاً لأرقّ التأثرات. و يمتدّ به في نطاق رحب، يشمل وجوهاً من الانفعالات متنوعة خصبة و طريفة أبداً. و قد يميط الستار عن مواطن في النفس مكتومة كامنة ممّا يُفجّر عيوناً صافية لشعرٍ صافٍ و يهدي الشاعر الي موارد جديدة. «امّا المتنبي فقد كانت حياته كلّها نسيج آلام ممضّة فهو أبداً بين آمال رحبة و خيبة قائمة تجسّم له مخيلته الجبّارة رغائبه فتعظم بحكم الحال فشله و يتناهي به طموحه و طمعه الي حدود لا تنال فتتنكّر له الاحوال و يبقي من دونها كاسفاً، مقيداً، ساخطاً، عاجزاً عن تحقيق المآرب . و قد يتوفّق الي بعض الحظّ ،فيحسب نفسه قد أضحي سيّد الكون و انّ بين يديه قوة قهّارة مزيدة لا يستطيعها غيره و يحسب أنّه فرق الجميع و قادر علي كل شئٍ و انّ كلّ ما يريده طوع مشيئته و يمضي علي هذا النحو من المغالاة مسرفاً في الاعتداد بنفسه الي ما لا يتصوّره عقل. و لا يرجع عن غوايته و اوهامه حتّي يصطدم بالحقيقة المفجعة و سرعان ما يصطدم بها فيعود الي حاله من الألم و الفجيعة و لكنّه لا يرتدع بذلك بل يصرّ علي غروره. » [64] و يعود الي الإعتداد بنفسه و اذا هو فرد الزمان و عنوان الحزم و العزم و ليس له في الوجود مثيل و هو وحده رجل الفهم و العقل و كلّ ما خلق الله و مالم يخلق محتقر في همّته كشعره في مفرقه و هو في قومه كصالح في ثمود يسير «لا مستعظماً غير نفسه» و لكنّه يجد ذاته في اضطرارٍ الي مداجاة ذوي السلطان و قد لا يكون لهم من فضل سوي انّهم خلقوا فيستجدُّ بهم و يتذلْل عند أقدامهم و« يبيع ماء وجهه علي الممدوحين» علي حدّ ما يقول طه حسين في كثير من السخرية و هو ايضاً في نظر نفسه منفرد في الشعر هو وحده الشاعر و «الآخرون الصدي» بل هو ربّ القوافي. «و إلي جنب هذا كلّه يري انّ ممدوحيه يزجّونه مع رعيل سائر الشعراء. لقد نشأ المتنبي نشاة فتي قد جهل علي ما يظهر من شعره حنّو الأم و عطف الوالد و قد أحاطت بأخبار أسرته أستارٌ ضيقة سوداء. و أسرارٌ إن لم يعرفها تمام المعرفة فقد تركت في نفسه الغضة أثراً بعيداً.» [65] فنحن نجد في شعر صباه عواطف مكظومة و أهواء مكتومة و خواطر لا يعرب عنها الّا بالاشارة والتلميح. و نري في نفسه قلقاً و اضطراباً و إن لم تتوضّح علّتها و قد أُوتي عبقرية باكرة فكانت عليه وبالاً فقد رأي نفسه في حداثه سنّه ، يمتاز عن اترابه في كثير من النواحي و كان ميّالاً الي المجد و الأثرة و كانت مخيلته بعده بمستقبل زاهر و برز له من الآمال و الأحلام الذهبية ما يحسب معها نفسه في أزهي نعيم، فأقبل علي الحياة في نهم و لهفة.يريد أن يتمتّع بها ملءَ صدره و قدترقب منها نصيباً وافراً فذّاً يفوق بكثير نصيب لذاته. كان المتنبي يعتقد و يعتمد نفسه كثيراً و يباهي الناس بفضائله و هو فارس و شجاع و متكبّر و هو دائماً يتحدّي الناس في عصره. كان يفخر بأنّه أفضل من كلّ فكرٍ و همٍ و لا أحد فوقه و ليس مثل أحدٍ: أمطِ عنك تشبيهي بما و كأنّه فما أحد فوقي و ما أحد مثلي وما أبعد العيب والنقصان من شرفي أنا الثريا و ذان ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لاعتداد بالنفس فی شعر المتنبی
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى نجوم الضّاد :: منتدى التعليم الثانوي :: التحضير للبكالوريا :: الشعبة الأدبية-
انتقل الى: